أهمية توثيق التاريخ الأسري و الشفوي .. في كتابة مسيرة الأمم | بقلم: ابن العم أحمد بن سليمان بن عبدالرحمن السويلمالحمد لله و الصلاة والسلام على نبينا محمد و آله و صحبه و من والاه ، إن الأسرة المسلمة تحتاج لعدد من المعارف والمهارات التي تساعدها على النجاح في مسيرتها، والتوثيق أحد هذه المعارف والمهارات و الكتابة هي قيد المتن، فالأخبار والمعلومات إذا لم تسجل وتدون ستطير كما تطير الطيور ، و تدوينها و كتابتها يضمن بقاء هذه المعارف للأجيال القادمة ، وأود الإشارة في هذه المقالة لبعض الأثار الإيجابية لتوثيق تاريخ الأسرة و في مقدمتها الآثار التربوية على أبناء و بنات الأسرة ، فالطفل الذي ينشأ في أسرة لديها إرث ثقافي موثق يكون ارتباطه وانتماءه عالياً يحفزه للمزيد من البذل و العطاء للمحافظة على تاريخ مشرف يراه موثَق أمامه، من الآثار الإيجابية لتوثيق تاريخ الأسرة المساهمة في تقليل الخلافات بين أفرادها و تقوية أواصر العلاقة بينهم فعندما تكتب الأسرة بأقلام أبنائها و بناتها و توثق سيرة أفرادها و الحوادث التي تعرض لها يكون ذلك حافظاً لها من الضياع و الاندثار و مقوياً لتواصل أفرادها فيما بينهم كما أن هذا التدوين مع مرور الوقت يكون مرجعاً للاحتكام إليه وقت المشاكل الأسرية و ما يتمخض عنها من خلافات اجتماعية، كذلك من الآثار الإيجابية لتوثيق تاريخ الأسرة أن الفرد يشعر بسعادة كبيرة عندما يرى هذه الوثائق و تعرف الأجيال اللاحقة ما بذله آبائهم السابقون من جهود لتوثيق تاريخ الأسرة حتى وصلت الأسرة لما هي عليه من ترابط و تكاتف و تلاحم جميل وهذا ينعكس إيجابياً عليهم و يزيد الثقة و الانتماء فيهم ويقوي الود و الحب و الترابط بين أفراد الأسرة.
و يهتم توثيق التاريخ الأُسري بالتطور الاجتماعي والعلمي والثقافي والاقتصادي لمجموعات الأسر عبر العصور، وللأسرة دور أساسي في تكوين تاريخ مجتمعها المحلي، والذي يُعد لبنة أساسية في بناء تاريخ الدولة التي تنتمي إليها، وهي جزءً لا يتجزأ من تاريخ شعبها، فالبحوث والدراسات الخاصة بالتاريخ الأسري تعبر حدود التخصصات والثقافات، حيث تهدف من خلال فهم بُنْيَة الأسر ووظائفها في مجتمع ما إلى عرض العلاقات المتبادلة بين الأفراد وأقاربهم والزمن التاريخي والكشف عن وثائقها ومخطوطاتها و إسهاماتها العلمية والفكرية والدعوية والثقافية، خاصة الأسر العريقة، وقد أظهرت دراسة التاريخ العائلي أنّ النظم الأسرية داخل مجتمعها تتمتع بالمرونة والتنوع الثقافي، و التكيف مع الظروف البيئية والاقتصادية والثقافية والسياسية والوقائع التاريخية في مختلف الأزمنة والعصور و يعرف ذلك من خلال :
- توثيق السير الذاتية لأبناء الأسرة و هذا دور غطى صندوق الأسرة جزء جميل منه خلال المجلة و بتظافر جهود أبناء الأسرة.
- توثيق نسب أبناء الأسرة و علاقاتهم مع بعض الأسر الأخرى و لدينا مثال جميل قام الوالد يرحمه الله بعمله ، أتمنى أن يكرر لكافة فروع الأسرة الكبار.
- توثيق نسب الأسرة بشكل كامل من خلال مشجرة النسب ، التي تولى صندوق الأسرة مشكوراً إدارتها و طباعتها.
- توثيق بيانات الأسرة من خلال الدليل العام للأسرة.
- توثيق معالم و أثار مسقط رأس الأسرة من خلال مقالات متنوعة في مجلة الأسرة.
- توثيق نظام الأسرة الكبيرة من خلال المقابلات في مجلة الأسرة.
- توثيق الجهود العلمية للأسرة من خلال نشر مؤلفات أبناء الأسرة.
- توثيق متنوع لا يمكن حصره (هوايات ، رحلات ، إنجازات ، وقائع ، مشاركات ، ...الخ).
و لأكون منصفاً في دعوتي للتوثيق أذكر مثالين أحدهما عمره ٨٩ سنة و الآخر حديث نسبياً:
- عند زيارة عمي عبدالرحمن بن إبراهيم (الحجي) للزبير لأني أخيه العم محمد بن حمد رحمهم الله عام ١٣٥٨هـ تذاكرا مواليد الأسرة تلك الفترة فذكر العم محمد أنه رزق بأبنه عبدالحسن و هو العم أبو عامر و ذكر عمي (الحجي) أن الأسرة رزقت خمسة أبناء على خلاف في الروايات لنفس الفترة و هم الأعمام (عبدالعزيز بن حمد أبو سعود ، محمد بن عبدالرحمن أبو خالد ، إبراهيم بن عبدالعزيز أبو عبدالعزيز ، عبدالرحمن بن سويلم بن فوزان أبو عبدالله) بهذا عرفنا خمسة من الأقران ولدوا في فترة سنة واحدة.
- المثال الثاني من والدتي حفظها الله حيث ذكرت لي أنه ولد للأسرة في فترة ستة أشهر لعام ١٣٨٦هـ سبعة أبناء و هم (حمد بن عبدالله بن حمد ، حمد بن محمد بن عبدالله ، و حمد بن عبدالعزيز بن حمد ، أحمد بن إبراهيم بن حمد ، أحمد بن محمد بن عبدالرحمن ، أحمد بن إبراهيم بن عبدالعزيز ، أحمد بن سليمان بن عبدالرحمن كاتب المقال) بهذا عرفنا سبعة من الأقران ولدوا في فترة ستة أشهر متع الله الجميع بالصحة و العافية.
فالكتابة لم تكن مجرد ترف ثقافي أو توثيق لسيرة شخصية أو حياة فرد من العائلة، بل كانت سرداً لمراحل زمنية ومناطقية عاصرتها الأسرة، وشملت قصصاً وذكريات متعلقة بدول مجاورة وثقافات متنوعة، وتعريف بأسماء وشخصيات صاحبت ورافقت الشخصية مما أعطى الكتابة بُعداً أوسع من مجرد سيرة عائلية، و مما أدركته من خلال جمعي و كتابتي لسير أفراد من الأسرة هو أن أهمية هذا التوثيق تتجاوز مجرد سرد الأحداث العائلية، فهو يوثق بين السطور العديد من الوقائع الاجتماعية والثقافية التي تستحق أن تُنقل للأجيال القادمة، خصوصاً أن مرور الزمن يزيد من قيمة هذه التفاصيل الصغيرة التي قد تكون شهدت تغيرات كبيرة مع الأيام، مثل هذه الكتابات تساهم في الحفاظ على التراث الشعبي والاجتماعي، وتنقل جسراً يربط الماضي بالحاضر والمستقبل، وتُظهر كيف تطورت المجتمعات وتغيرت مع مرور الزمن، إنها قصة مجتمع بكامله، تعكس عادات وتقاليد وتحديات تلك الفترة نجد فيها بين السطور ملامح اجتماعية لمجتمع قديم، وربما يرى أوجه تشابه مع حاضره، ما يجعل القراءة تجربة غنية بالمعلومات وثرية بالتجارب وداعية للتأمل.