السّائرون على شَعرة | بقلم: روان بنت سعد بن إبراهيم السويلم
لازلتُ أجد أثر الصداع من وقفة وقفتها مع إحداهن –ولا غيبة لمجهول- ساعتين لإعداد ماتكفيه خمس دقائق، لكن!
كنّا هي وأنا –تبعًا لها بصفتها مشرفتي- نتحرّك في حدود مليمترات، تحضّر محلولا وتحسب له عشرات المرات، تستأذن إن شاءت أن تمرّ على بعد 3 أمتار مني حتى لا تصدم بي، تحذرني من الإمساك بالعلبة بطريقة معينة لأن لا تنسكب منها قطرة، تعاتبني وأنا أقصّ الكيس في جهة تعجبني خشية أن تتسخ يدي، وقفتُ مندهشة: “طيب عادي أغسّلها! سكر ما يضرّ”
هي أو غيرها ، في هذا الموقف أو أحوال تشبهه:
السائرون على شعرة..
يضيّقون طريقهم على أنفسهم، يقدّمون رجلًا ويحسبون للأخرى ألف حساب، في أفكارهم في أعمالهم في حياتهم اليومية، والله قد بسط الأرض لعباده وجعلها ذلولا يمشون في مناكبها، هذه الأرض التي على ظهرها أفراح الخليقة وهمومهم، نجاحاتهم وإخفاقاتهم، لازالت فيها القوة المودعة لتحمّل قفزاتك، وجريك حركاتك، واستقامتك وزلّاتك، لازالت ثابتة بالقدر الكافي حتى لو سقطت مرة بعد مرة..
أما السير على شعرة من القوانين والأنظمة والقوالب –دون الحلال والحرام-، وتقنين الأعمال والتضييق على التجارب بـ“يمكن مايضبط”، والحركة في حدود الترتيب المطلق والتنظيم، يحرمنا الاستمتاع بنعمة الله في المد والجزر، والهرولة والتأرجح، يمنعنا من استنشاق الهواء بقدر ما تسع أجسادنا نتأمل ماحولنا ونحن نسير في عجلة الحياة؛ في سبيل استنفاذ تركيزنا بخطوة صائبة على شعرة دقيقة..
يودي بنا مثل هذا التضييق؛ إلى التحسّر كقول القائل :“ما أكثر مانضيّع من دقائق الأوقات في دقائق الأمور”
وليس الوقت وحده، بل والجهد والفكر والطاقة، تظل الدقائق الصغيرة من طاولة تزحف بها إلى أيّ شيء يمكن أن يكون؛ تظل تزنّ على أفكارك وأعمالك، وسعيك وقعودك حتى تزاحمها في عقلك، فيغادر الأضعف منهما أو يستسلم..
لا تسمح لشعرة من الحذر والاحتراس -يتخذها هواك في صورة الإتقان والتقنين-؛ لا تسمح لها أبدًا أن تضيّق عليك مساحة الاستراحة والتفرّغ، واقتناص الفرصة، والمحاولة والتجربة، والسير على كل حال قائمًا أو قاعدًا وعلى جنب..