- ماذا تعرفون؟- | بقلم: أ.د.أسماء بنت سليمان بن عبد الرحمن السويلم
لطالما كانت المعرفة حاضرة في الإسلام مطلوبة ومأمور بها قبل العمل، وصاحبها ينال الرفعة والمنزلة عن غيره، يقول الله تعالى ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ فقدم العلم على العمل؛ حتى أنه استنبط العلماء وبوبوا بابا في بعنوان " باب العلم قبل القول والعمل"، كل هذا لمكانة المعرفة والعلم.
إن الأفضلية والأهلية بحسب العلم، ونجد الله تعالى في كتابه يمدح صاحب العلم، ومبينا سبب اختيار طالوت لنيل المنصب والرياسة ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ، ولا ننسى يوسف عليه السلام لما رشح نفسه لمنصب رفيع وأخبر عن مميزاته ومؤهلاته وأنه عليم حفيظ. لذلك كانت الرفعة لمن علم وتعلم حتى صار صاحبه ومن أهله، يقول الله تعالى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ ﴾، وقال سبحانه ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وثبت أن العقل والحجا لأهل العلم ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)، وإنما العلم بالتعلم .
وفي مقام آخر يخبر النبي صلى الله عليه السلام أن النجاة عند الشدائد بالمعرفة والتعلم الصحيح لما ينفع، ولكل مقام بما يناسبه، فلما أخبر عن فتن آخر الزمان وفتنة المسيح الدجال أخبرنا عن هذا تفصيلا وميز بعلم لم يعلم قبل، ففي الحديث قامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ في النَّاسِ فأثْنَى علَى اللهِ بما هو أهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فقالَ: (إنِّي لأُنْذِرُكُمُوهُ، ما مِن نَبِيٍّ إلَّا وقدْ أنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لقَدْ أنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، ولَكِنْ أقُولُ لَكُمْ فيه قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعَلَّمُوا أنَّه أعْوَرُ، وأنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالَى ليسَ بأَعْوَرَ) كل هذا ليعلموا فينجوا بإذن الله.
ولقد أمرنا بالمعرفة والتعلم للتمييز بين الحق والباطل والصواب والخطأ حتى تكون اختياراتنا عن علم ومعرفة صحيحة، فقال صلى الله عليه وسلم: (وأنا أولى الناسِ بعيسى ابنِ مريمَ؛ لأنه لم يكنْ بيني وبينَه نبيٌّ، وإنه خليفتي على أمتي، وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعرِفوه، فإنه رجلٌ مربوعُ الخَلْقِ إلى الحُمرةِ والبياضِ، سَبِطُ الشَّعْرِ، كأنَّ شَعْرَه يقطُرُ، وإنْ لم يُصبْه بللٌ).
وفي المقابل نجد الذم للجهل والنهي عن تصرف الجهلاء، والاخبار بأنه في آخر الزمان سينطقون ويظهرون، وبلغة العصر سيشتهرون، والتحذير من تصدر هؤلاء وقيادتهم أو التأسي بهم، لأنهم بكل بساطة ووضوح "ضلوا ويضلون"، وهذا تنبيه للمؤمن الكيس الفطن لينظر من يغذي عقله وروحه وما الذي يملأ قلبه من علوم ومعارف، لأنها ليست خلي فارغة ولا تكون، بل لا بد لها من شغل ومعرفة تشغلها؛ فالإنسان العاقل مفكر ولا يخلو أبدا، ولكن السؤال بما يفكر وبما يملأ هذا القلب ويشغل هذا العقل؟ فبحسب هذا الذي يتلقاه أو بلغة البرمجيات بحسب المدخلات تكون النتائج، وبحسب ما يجمع من قطع تتكون صورته وتكون تصوراته؛ وهذا يعرفه العقلاء أجمعون.
يقول ابن القيم في تشبيه واقعي لطيف:"وقد خلق الله النفس شبيهة بالرحى الدائرة التي لا تسكن ولا بد لها من شيء تطحنه، فإن وضع فيها حب طحنته، وإن وضع فيها تراب أو حصى طحنته؛ فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنزلة الحب الذي يوضع في الرحى، ولا تبقى تلك الرحى معطلة قط بل لابد لها من شيء يوضع فيها، فمن الناس من تطحن رحاه حبا يخرج دقيقا ينفع به نفسه وغيره. وأكثرهم يطحن رملا وحصى وتبناً ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبين له حقيقة طحينه".
ثم هذا الأمر ينشأ شيئا فشيئا وليس جملة واحدة ، أقصد تكون الصورة والتصورات، التي يبنى عليها القرارات والاختيارات للإنسان في حياته، فالمعرفة كالمطر تجتمع قطرة قطرة حتى تصبح غيثا، وكالبناء الذي يبنى لبنة لبنة حنى يصير وينتهي بحسب ما بني منه، وهذا أمر بالغ الأهمية، فلينظر كل مؤمن إلى صورته وتصوراته واختياراته، وليراجع علومه ومعارفه التي تغذيه، فهي مبنية عليه، فان كانت حقا كما في ميزان الحق جل في علاه، وسائرا على صراط مستقيم؛ فليحمد الله على فضله ويسأل الله الثبات، وإن كان غير ذلك، فليراجع مساره ويصحح معارفه ويشد عزمه على التمسك بالحق والنافع المفيد، ويدع عنه سفاسف الأمور، وليقصد الأعلى قيمة، والأرفع منزلة من علم وعمل، فمن أشد ما تلوم عليه أهل النار قولهم ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ، ومعناه: لو كنا نسمع سماع من يعي ويفكر ، أو نعقل عقل من يميز وينظر؛ فردوا مصيرهم السوء لأنهم ما سمعوا الحق ولا عقلوه، ولا عملوا به، بل استمروا على جهلهم واعراضهم، وسوء فعلهم، وشغل أنفسهم خلاف ما خلقوا له.