ما الذي سيبقى

ما الذي سيبقى !؟
مقال عن معالي العم الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم رحمه الله | بقلم أ. عبدالمحسن الدايل

في السادس من أكتوبر 2020، وفي مزرعته، استقبلنا حفيده لنُجري لقاءً مع معالي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم رحمه الله، للحديث عن قصة #التطوع_الصحي في بلادنا الغالية. كان المكان هادئًا، والحديث بسيطًا كما هو طبعه. جئتُ أحمل أسئلة عن المناصب والمحطات ومسيرةٍ امتدت لعقود بين الطب والإدارة والعمل الإنساني. بدأت اللقاء بحثًا عن مجرد لقاء فخرجت بأكثر من ذلك!

◽️ التكوين
في ستينيات القرن الماضي أبان عهد الملك فيصل رحمه الله، اختار دراسة الطب في ميونيخ؛ غربةٌ كاملة بلغةٍ مختلفة ونظامٍ أكاديمي صارم، في زمنٍ لم تكن فيه وسائل التواصل تُخفف وطأة البعد، كانت تلك السنوات اختبارًا للصبر قبل أن تكون تحصيلًا للعلم. وتخرّج عام 1966 متخصصًا في طب الأطفال، بعد تجربةٍ شكّلت شخصيته بقدر ما صقلت مسيرته.

◽️العالِم
لم يكن طبيبًا ممارسًا فحسب، بل كان عالمًا حاضرًا في الميدان الأكاديمي، أسهم في تأسيس دبلوم تخصصي في وزارة الصحة، ورغم مسؤولياته، نشـر ثلاثةً وثلاثين بحثًا علميًا، مؤكدًا أن علاقته بالعلم لم تكن مرحلة عابرة، بل التزامًا ممتدًا.

◽️ القائد
من الشميسـي بدأ حضوره القيادي، ثم اتسعت مسؤولياته في وزارة الصحة حتى تولّى رئاسة هيئة الهلال الأحمر السعودي، وامتد عطاؤه إلى عضوية مجلس الشورى لثلاث دورات، مسهمًا بخبرته في مستوى أوسع من صناعة القرار.

◽️ المتطوع
كان التطوع الصحي محور حديثنا؛ لأنه لم يكن جانبًا من سيرته، بل مسارًا عاشه منذ بداياته وأسهم في تنظيمه، وحتى آخر يومٍ من حياته رحمه الله كان متطوعاً في رئاسة أكثر من عشرين جمعية خيرية.

◽️ الحاضر
رغم مسؤولياته، ظلّ حاضرًا بين الناس، كان ديوانه كل يوم أحد بعد صلاة العشاء موعدًا ثابتًا، كما كان مجلس العيد محطةً سنوية يجتمع فيها القريب والمحب وزميل المهنة والمسؤول. في صغري كنت أرافق والدي – حفظه الله – إلى مجلسه في العيد، كان حضوره ثابتًا لا تصنعه المناسبة، بل يصنعه الالتزام.

◽️ الجد
لم يكن بدء اللقاء بحفيده تفصيلًا عابرًا؛ فقد كانت علاقته بأحفاده مختلفة، قريبةً وحاضرةً في تفاصيل حياتهم. امتد أثره في أبنائه وأحفاده، وفي أسرة آل سويلم من حوله، لم يكن أبًا لأبنائه فحسب، بل كان كبير الأسرة الذي يُقصد، ويُرجع إليه، وتجتمع عليه القلوب.

◽️ الأثر
كان يُذكر بطيبته قبل المنصب، وبمروءته قبل اللقب، سهل الوصول، قريبًا من الناس، حاضرًا في لحظات احتياجهم. ومن القصص التي بقيت في الذاكرة طفلةٌ أشرف على علاجها، ثم بعد أعوامٍ وصلت إليه دعوة زواجها؛ أثرٌ امتدّ من لحظة عونٍ إلى لحظة فرح.

ختامًا .. حين انتهى الحديث وأُطفئت الكاميرات،
https://lnkd.in/deQ88-TE
أدركت أن ما خرجتُ به لم يكن مجرد سيرةٍ وظيفية.
كان إنسانًا.
كل ما مرّ في هذا المقال من التكوين إلى الأثر لم يكن إلا ملامح لشخصيةٍ واحدة، لم يصنعها المنصب، بل صنعها الخُلق.
وحين رحل رحمه الله، كان مشهد العزاء أبلغ من أي وصف. عزّى المسؤول، وعزّت الوزارات، والمنشآت، وقطاعات التطوع، وأفراد المجتمع. أطيافٌ مختلفة اجتمعت على حزنٍ واحد، وهذا نادر. لم نفقد الطبيب فقط، ولا القائد، ولا المتطوع، ولا الجد.
فقدنا إنسانًا متكامل الصفات.
دُفن في البقيع، ومضى إلى رحمة الله، وبقي الذكر الحسن.
لنستذكره في هذا الشهر بالدعاء، سائلين الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدّم في ميزان حسناته.

ويبقى السؤال: ما الذي سيبقى؟
ليس المنصب، ولا اللقب، ولا الوجاهة، الذي سيبقى … هو #طيب_الأثر.